أيوب صبري باشا

33

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

وفي النهاية نفذ قضاء اللّه - سبحانه وتعالى - القهار ولم تفد جميع مساعي أهل مأرب وجهودهم وما اتخذوه من الاحتياطات ليحولوا دون انهيار السد ، فأغرقت مياه السيول التي تجمعت خلف سد مأرب بلاد سبأ ومحتها من الوجود ، وذلك منذ أربعمائة عام قبل البعثة المحمدية في عهد عمرو مزيقيا من حكام اليمن ، وتحقق ما تنبّأ وأخبر به الأنبياء المشار إليهم . وضاعت معيشتهم المرفهة وأصبحت أحوالهم قصصا تدور على ألسنة الأنام . لو كان أهل مأرب اطلعوا على الكارثة التي ستصيبهم لعملوا على الأقل على إنقاذ أرواحهم . إلا أنه في ليلة من الليالي ظهرت فئران أكبر من القطط دون علم أحد وشقت القطط التي رباها الأهالي للدفاع عن القضاء المفاجئ الذي سيقع فجأة ، ونقبت أسس السد المتين وهدمته بعون السيول في النهاية . وقد تجلت قدرة اللّه - سبحانه وتعالى - بصفة المنتقم فغرقت جميع بلاد سبأ بتدفق مياه سيل العرم وهجومها عليها . وتحولت أربعة آلاف وسبعمائة من القرى والمدن في لمح البصر إلى خرائب وأطلال . ولم يبق في هذه الحدائق والبساتين إلا خمط وأثل وشئ من سدر قليل . وبعض أشجار ونباتات غير صالحة لأكل محاصيلها . ملوك الغساسنة وقد تشتت أهالي بلاد اليمن الجسيمة بعد سيل العرم في البلاد الأخرى . وقد نزلت قبيلة بنوا أزد من نسل كهلان بن سبأ بجانب الماء الذي يعرف باسم غسان في نواحي الشام ، واشتهرت باسم هذا الماء وقد عمل هؤلاء في فترة من الفترات على الاستيلاء على البلاد الشامية كلها حيث أسسوا حكومة ملوك الغساسنة . كما أن بعض أفراد هذه القبيلة هاجر إلى ديار بكر حيث أسسوا المملكة الخاصة بملوك كندة أيضا وكان ابتداء ظهورهم قبل ظهور نور الإسلام بخمسمائة عام ، وكانت دار ملكهم معظم سواد الشام . ووصل عدد ملوكهم إلى واحد وثلاثين ملكا ، ودامت مدة سلطتهم ستمائة عام . وكانوا كلهم تابعين لقياصرة الروم . وقد زادت قوتهم تحت هذه التبعية إلا أن ملكهم أواخر حياتهم تعرض للضعف والوهن ، وانقرضت قوتهم ودالت دولتهم في العام السادس عشر من الهجرة النبوية .